الحذاء الأحمر الراقص

النهاردة هنتكلم عن قصة شهيرة ومقبضة من قصص الكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسن Hans Christian Andersen وهي قصة “الحذاء الأحمر” De røde sko..

القصة مأساوية شوية فنستحمل مع بعض معلش.

كان ياما كان بنت صغيرة اسمها كارين عايشة مع مامتها في فقر مدقع لدرجة أن كارين كانت بتمشي حافية في الشارع علشان معهاش تشتري حذاء، وفي الشتاء كانت بتلبس حاجة شبه القبقاب كده من الخشب علشان تحمي قدميها من البرد. وفي يوم، سيدة من أهل القرية أشفقت على حال كارين وخيطت لها حذاء من قماش قديم عندها لونه أحمر. طبعًا الحذاء مكانش أجمل حاجة في الدنيا بس كارين فرحت بيه جدًا وبقت تلبسه على طول. بعدها بفترة قصيرة أم كارين ماتت (يا حول الله يا رب) وسابتها يتيمة فقيرة من غير حد. وفي يوم دفن أمها، كارين لبست الحذاء الأحمر بتاعها للمقابر – معندهاش غيره المسكينة – وهي مش مصدقة اللي بيحصل ومحتاسة مش عارفة هتعيش إزاي بعد كده. بس رحمة ربنا أنقذت كارين وفي الوقت ده عدت امرأة عجوز غنية في العربة بتاعتها ولمحت كارين الغلبانة وهي واقفة تعيط وأمها بتتدفن. المرأة العجوز سألت عن البنت والناس قالوا لها إنها بقت يتيمة وملهاش حد، فقررت أنها تتبناها وتاخدها تربيها كابنة لها خصوصًا أن مكانش عندها أبناء.

ومن هنا حياة كارين أتغيرت 180 درجة! السيدة العجوز راعت كارين ودخلتها المدرسة ولبستها أحسن لبس، وكارين كانت سعيدة فعلاً. المهم في يوم كارين كانت راجعة من المدرسة وشافت موكب الأميرة ولاحظت أن الأميرة لابسة حذاء أحمر آية في الجمال. كارين افتكرت الحذاء الأحمر المعفن بتاعها اللي السيدة العجوز خلت كارين تتخلص منه علشان شكله بشع، وقررت أنها تجيب حذاء أحمر جديد زي بتاع الأميرة. وبالفعل، لما السيدة العجوز أخدت كارين علشان تشتري حذاء جديد تروح بيه الكنيسة، كارين اختارت حذاء أحمر بديع. والسيدة العجوز، علشان نظرها ضعيف ومابتشوفش الألوان كويس، اشترت لكارين الحذاء الأحمر اللي اختارته وهي فاكراه أسود.

وفي اليوم اللي كانوا رايحين فيه الكنيسة، كارين لبست حذاءها الأحمر وهي طايرة من الفرح، وطول الوقت والناس بتصلي هي كانت دماغها في قد إيه الحذاء بتاعها جميل ويخبل. وهي مروحة الناس لفتت نظر السيدة العجوز أن كارين لابسة حذاء أحمر لامع وده مايصحش في الكنيسة (مش عارفة إيه الرخامة دي!). طبعًا السيدة نهرت كارين ونبهت عليها المرة اللي جاية تلبس حذاء أسود. وزي ما أنتم متوقعين، بتيجي المرة اللي جاية وكارين برضه بتلبس الحذاء الأحمر علشان بتحبه، ولكن المرة دي في طريقهم للكنيسة، بيقابلوا جندي عاجز شكله مريب ودقنه لونها أحمر أول ما بيشوف كارين بيعلق على جمال حذائها وإزاي أنه مناسب للرقص وبيضحك ضحكة خبيثة. كارين استغربت شوية لكن رجعت تاني تتشغل بقد إيه رجليها جميلة في حذائها الأحمر. وهي خارجة من الكنيسة.. حصلت حاجة غريبة جدًا!

كارين فجأة لقت قدميها بترقص غصب عنها وهي بترقص معاها، لدرجة أنها قعدت ترقص حوالين الكنيسة وسواق العربة بتاعتهم يجري وراها لحد ما مسكها وشالها حطها في العربة وهي رجليها لسه بترقص وبترفس. أول ما روحوا السيدة العجوز أخدت الحذاء الأحمر وقفلت عليه الدولاب بالمفتاح.

عدت الأيام والسيدة العجوز مرضت مرض شديد خلاها طريحة الفراش. وفي ليلة من الليالي، بدل ما كارين تقعد مع السيدة العجوز تراعيها، قررت أنها تروح حفلة راقصة مقامة في القصر الملكي. كارين ماقدرتش تمسك نفسها وأخدت المفتاح وجابت حذاءها الأحمر اللامع ولبسته وراحت الحفلة.

وهناك كارين قعدت ترقص ترقص وهي مبسوطة والناس كلها منبهرة بجمال حذائها، وأخيرًا لما تعبت وحبت توقف رقص اكتشفت أنها مش عارفة تتحكم في قدميها! الحذاء كأن الحياة دبت فيه وبيرقص مع نفسه. كارين حاولت تخلع الحذاء لكنه كان مكلبش فيها. المسكينة قعدت تعيط وتطلب المساعدة لكن للأسف الحذاء أخدها بعيدًا عن الحفلة والقصر ووداها الغابة.. كل ده وهي بترقص، وهناك شافت الجندي ذو اللحية الحمراء بيبتسم لها ويقول “تحفة الحذاء بتاعك!” وبعدين الحذاء أخدها بعيد تاني لحد ما لقت نفسها عند المقابر وهناك ظهر لها ملاك وقال لها بغضب “ارقصي! ارقصي في حذائك الأحمر لحد ما جسدك يهزل.. ارقصي! لحد ما تبقي جلد على عضم.” كارين طلبت الرحمة لكن الملاك ماعبرهاش. بعدها كارين فضلت ترقص في شوارع المدينة صبح وليل وهي بتبكي وبتتألم وبتتوسل للناس يساعدوها بس محدش قدر يعمل لها حاجة، وفي يوم وهي بترقص الحذاء أخدها عند بيتها وشافت من بعيد كفن بيخرج منه وفيه جسد السيدة العجوز، كارين قعدت تصرخ وتعيط بس الحذاء رقص بيها بعيد عن البيت.. كارين فضلت ترقص لأيام لحد ما جسدها انهار عند باب الجلاد. كارين فضلت تخبط على الباب بهيستريا وقدميها لسه بترقص وترفس، ولما الجلاد فتح الباب كارين توسلت إليه يقطع قدميها بعد ما حكيت له قصتها. الجلاد فعلاً جاب الفأس بتاعه وأول ما قطع رجلين كارين، القدمان بالحذاء الأحمر انطلقوا وقعدوا يرقصوا لوحدهم بعيدًا عنها. الجلاد أشفق على كارين وصنع لها قدمين خشب وأداها عكاز تمشي بيه.

في الأيام التالية كارين قعدت تدعي ربنا أنه يسامحها، بس للأسف كل ما كانت تحاول تروح الكنيسة كانت بتلاقي قدميها المقطوعة في الحذاء الأحمر بيرقصوا قدام الباب فبتخاف وتبعد عن الكنيسة. الموقف اتكرر أكتر من مرة وكارين حسيت أن ربنا مش هيقبل توبتها أبدًا وقعدت تبكي بحرقة لحد ما ظهر لها نفس الملاك اللي شافته في المقابر بس المرة دي كان بيبتسم، وفجأة – يا سبحان الله – كارين لقت نفسها داخل الكنيسة مع الناس اللي بتصلي. كارين قعدت تبكي ومن الفرحة قلبها وقف وماتت.. آه والله زي ما بقول لكم كده!

اللي قرأ قبل كده لهانس كريستيان أندرسن عارف أن النكد ده مش غريب عليه ورغم أن قصصه خيالية ومعظم أبطالها أطفال إلا أن لازم يكون فيها يتم وفقد وموت وحرق وشنق وحاجة استغفر الله يعني.. ما علينا.

طبعًا مانقدرش نتغاضى عن الدرس الديني\الأخلاقي الواضح في القصة، وإزاي أن كارين لما استسلمت لإغواء الحذاء الأحمر كان عقابها فقدان قدميها، وأن ربنا تقبل توبتها آه بس بعد ما تألمت وعرفت ذنبها. مشكلة كارين مش بس حب الحذاء الأحمر، ولكن انسياقها وراء الغواية لدرجة إهمالها للأمور الدينية والدنيوية بدليل عدم تركيزها في الكنيسة وعدم رعايتها للسيدة العجوز لما مرضت. واللي برضه مخلي الجانب الديني في القصة قوي وجود ممثلين للخير والشر: الملاك والشيطان (الجندي ذو اللحية الحمراء). المثير للاهتمام بقى أن الشيطان بيظهر في القصة مرتين زيه زي الملاك، بس الملاك مابيظهرش إلا في أخر القصة أولاً علشان يلعن كارين ويعاقبها وثانيًا علشان يعلن قبول توبتها وهوب ياخد روحها، في حين أن الشيطان بيظهر لكارين قبله علشان يبدي إعجابه بالحذاء الأحمر ويشجع كارين على ارتدائه وعلى الرقص بيه. فكرة أن الملاك ماظهرش لكارين يحذرها وأنه ظهر بس علشان يلعنها فيها كثير من القسوة. بس برضه ممكن نقول أن ظهور الشيطان في صورة الجندي كان في حد ذاته تحذير، تحذير مغلف بالألغاز شوية بس في النهاية تحذير.. الجندي كانت دقنه حمراء زي لون حذاء كارين، وكان ممسك بعكاز مماثل للي كارين هتمسكه بعد ما تقطع قدميها، فممكن نعتبر ظهوره نوع من الإنذار لكارين و foreshadowing لمصيرها لو مشيت وراء الغواية، وده اللي حصل فعلاً.

طيب، بعيدًا عن التفسير الديني والأخلاقي ده، مصير كارين حقيقي يصعب على الكافر لو بصينا عليه من ناحية نفسية\إنسانية. القصة بتبدأ بأن كارين أفقر من الفقر نفسه ولما السيدة اللي في القرية بتعملها حذاء أحمر غلبان كده بتفرح بيه جدًا لدرجة أنها بتلبسه وهي بتدفن أمها علشان معندهاش غيره. وهنا بقى أندرسن بيقول لنا جملة مهمة جدًا استوقفتني.. أندرسن بيقول لما السيدة العجوز الغنية شافت كارين في المدافن صعبت عليها علشان طفلة ملهاش حد، بس كارين افتكرت أن اللي لفت نظر السيدة العجوز ليها هو الحذاء الأحمر بتاعها. وبالتالي الحذاء الأحمر، من وجهة نظر كارين، هو السبب في إنقاذها والسبب في انتشالها من الفقر وتغير حياتها. وبعدين كارين بتشوف الأميرة لابسة حذاء أحمر! فطبيعي جدًا أن كارين تربط بين الحذاء الأحمر والسعادة والنعيم والحظ الحلو، ومن هنا ممكن نتفهم تمسكها بشراء حذاء أحمر وتصميمها على ارتدائه في كل مكان. الحذاء الأحمر بالنسبة لكارين، سواء بشكل واعي أو غير واعي، هو السبيل للسعادة. وحقيقي مانقدرش نلوم طفلة على تفكيرها ده.. ده احنا اللي اسمنا كبار والمفروض عاقلين لما بنلبس لبس معين وتحصل يومها حاجة حلوة بنفضل متفائلين باللبس ده وبنربط بينه وبين حدوث الحاجة الحلوة (ودي من المغالطات الشهيرة اللي بيقوم بيها عقلنا كتير لربط الأحداث ببعضها، واحنا اتكلمنا على الموضوع ده قبل كده). ومن هنا ممكن نقول إن ارتداء كارين للحذاء الأحمر وتوجهها للحفل الراقص بدلاً من رعاية السيدة العجوز كان بدافع الخوف مش الاستهتار والجفاء. بمرض السيدة العجوز، كارين شعرت باقتراب زوال النعيم اللي كانت عايشة فيه وخافت من تكرار سيناريو وفاة أمها، فطبيعي أن ردة فعلها التلقائية أنها تلبس الحذاء الأحمر اللي هينقذها زي ما أنقذها أول مرة.

وحتى لو ماتفهمناش تمسك كارين بالحذاء الأحمر يظل العقاب غاية في القسوة. متفقين أن كارين غلطت وفعلاً ندالة منها أنها تسيب الست عيانة في البيت وتنزل تروح حفلة بس هل العقاب المناسب أنها تفقد جزء من جسدها؟ امبارح كنت بفكر في إزاي أن أي فعل كالسهم، مجرد ما بينطلق من القوس مابيرجعش تاني. طبعًا ده شيء كويس وهنقول علشان كل واحد يتحمل عواقب أفعاله، جميل، بس مش قادرة ماشوفش بعض من القسوة في القانون الكوني ده.. ماذا لو أنطلق السهم بدون قصد أو في لحظة من الغفلة؟ ليه كارين تتعاقب على رغبة طفولية بأنها تفقد قدميها للأبد؟ قطع القدمين هنا قد يكون إشارة رمزية بضرورة فقدان جزء من أنفسنا مع أي فعل بنرتكبه. آه ممكن ننضج ونندم ونصلح الخطأ بس في النهاية لازم جزء مننا يروح. فكروا كده في كل علاقة غير موفقة دخلتوها أو شخص فقدتوه أو قرار ندمتم عليه، مهما نجحتوا في تلافي الضرر وإصلاحه لازم تضحوا في المقابل بجزء من نفسكم. طبعًا على الجانب المشرق ممكن نقول إننا بنكتسب حاجات تانية زي ما كارين اكتسبت التواضع وحازت على الرحمة بعد فقدان قدميها.

أخيرًا، القصة قد تُرى من منظور وجودي حديث شوية على أنها حكاية رمزية للإنسان المعاصر (اللي واخد على قفاه)، أو، لو وسعنا الدايرة شوية، للإنسان عامًة مجرد ما بينضج وبيترك مرحلة الطفولة خلفه. كارين في الأول بتنبهر بالحذاء الأحمر وزي ما قولنا قبل كده بتعلق عليه سعادتها وكل آمالها، بس مجرد ما بتسعى وراء الحذاء هو اللي بيتمسك بقدميها وبيسوقها وبيتحكم فيها على الرغم من بكائها وصراخها. منظر كارين وهي بتصرخ من الحذاء بس مضطرة تروح معاه مكان ما يوديها رغم أنها هتموت وترتاح بيفكرني بملايين من الناس دلوقتي اللي استعبدتهم المسئولية وأحلام تحقيق الذات وغيره.. مربوطين في ساقية زي ما كارين مربوطة في حذائها. والمخيف في الموضوع فعل الرقص نفسه، اللي هو المفروض علامة على السعادة والفرحة ولكن في حالة كارين في باطنه استعباد وقسوة، زي ما احنا برضه دلوقتي كل سبل الحياة بتوفر لنا الراحة والسعادة والزأططة ولكن في النهاية احنا مستعبدين. وهنا النهاية المأساوية للقصة هتاخد بُعد آخر، لأن زي ما كارين قطعت قدميها علشان تتخلص من الحذاء وفقدت القدرة على ملامسة قدميها للأرض، إحنا كمان محتاجين نستأصل كل ما يربطنا بأرض الواقع اللي احنا مرتبطين بيه.

بشكل شخصي بقى بشوف الحذاء الأحمر هو الخيال.. كل شيء استهواني واتعلقت بيه واستدرجني لدرجة فقدان تواصلي مع الواقع، ومهما حاولت استئصاله من وجداني بيفضل يرقص حواليا في كل مكان علشان يفكرني بما خسرت من واقعي وما فقدت من خيالي.. لأن في النهاية كارين لم تفقد قدميها فقط، ولكنها فقدت حذاءها الأحمر أيضًا، وعلشان كده في نهاية القصة، في رأيي، فقدت حياتها.


رأي واحد حول “الحذاء الأحمر الراقص

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s